العاب تربويةتعليم اوليتعليم وتعلمخلفيات نظريةمهارات واستراتيجيات

حل المربكات: أهو مجرد نشاط ممتع وبسيط؟

المُرْبِكَة ( puzzle ويسميها البعض ألعاب تركيب القطع)‏: عادة ما تكون المربكة على شكل مجسم أو صورة تم تجزيئها لأجزاء عدة ويطلب من الطفل اعادة تجميع وترتيب هذه الأجزاء بعد بعثرتها لتشكيل الصورة الأصلية ( او اعادة تجميع المجسم )

تحظى أنشطة حل المربكات ( puzzle) بشعبية خاصة لدى الأطفال منذ سن مبكرة ، ويتخذها الآباء في المنزل والمعلمين في فصول الدراسية غالبا وسيلة للترفيه عن الطفل وتمضية وقته الثالث . يمكن للأطفال احيانا او بعد مران حلها بأنفسهم ، دون اللجوء بالضرورة إلى مساعدة الكبار. لكن هل المربكات مجرد نشاط ممتع وبسيط يشغل الأطفال أثناء وقت فراغهم أو عندما يحتاج المربي ( أبا كان او مدرسا …) للاختلاء بنفسه او تدبير اعمال اخرى. وبصيغة اخرى هل هذا النوع من الأنشطة يؤدي فقط وظيفة الترفيه والامتاع النفسي ام يسمح بتنمية قدرات ومهارات واستهداف جوانب أخرى من شخصية الطفل؟ هل يمكن اعتبار هذا النوع من الأنشطة ضرب من اللعب الحر، أم يمكن للمربي تحويلها الى أنشطة موجهة ومخطط لها بإحكام لتستهدف تنمية الجوانب المعرفية والوجدانية والحركية لشخصية الطفل؟ وكيف يختارها المربي لتؤدي هذه الوظائف؟

حل المربكات نشاط ماتع وتعليمي تعلمي في نفس الوقت:

مربكة مجسمة

يمكن للطفل أن يبدأ في حل المربكات البسيطة منذ سن الثانية. إنه نشاط ممتع ومحفز حيث لا يمل الأطفال من تفكيك مربكة ما واعادة تركيبها عدة مرات، وغالبًا ما ينتهي بهم الأمر إلى تذكرها عن ظهر قلب! فيعيدون تركيبها بطريقة اسرع دون تردد في اختيار الأجزاء وتحديد مواضعها.

يلاحظ ان الطفل بعد حل مربكته يشعر بالرضا العارم عن عمله لأنه من جهة يستطيع رؤية نتيجة عمله وقياس نجاحه بنفسه، ومن جهة يحس بأنه توصل الى حل لغز المربكة بنفسه. هذا الشعور بالرضا يشكل تحفيزا داخليا للطفل يدفعه الى اعادة تفكيك وتركيب المربكة مرارا والبدء في البحث عن اخرى.

المربكات تطور مهارات وقدرات كثيرة:

ليست للتسلية فقط؛ بل تنمي مهرات وقدرات عديدة

تعمل ألعاب المربكات والتضمين على تطوير المهارات الحركية الدقيقة منذ سن 18 شهرًا / سنتين، اذ يتوجب على الطفل التقاط قطع المربكة المبعثرة ووضعها في المكان المناسب. وفي بعض المربكات؛وحسب سن الطفل؛ يحتاج الى الدقة في حركات التقاط القطع وتقليبها وتثبيتها في مكانها. يؤدي التعود على ممارسة هذا النوع من النشاط الى تقوية عضلات اليد وتنمية مهارات الحركية الدقيقة والتي تعتبر من المهارات القاعدية الأساسية الضرورية لمواصلة التعلم ( تعلم الكتابة مثلا) والنجاح في الاندماج المدرسي والمجتمعي.

تساعد ألعاب المربكات والتضمين أيضًا الطفل على تعرف الأشكال والأحجام والألوان وانواع النقط والخطوط (المستقيمة والمنحنية والمعقدة) وادراك اولي لمفاهيم العدد والطول والكتلة والسعة والفضاء والمساحة والتماثل… هذا الى جانب تطوير وتحفيز قدرات ذهنية مختلفة كالتركيز والملاحظة والتفكير .. اثناء محاولة الطفل ربط القطع المفككة لإعادة بناء المربكة ككل. بالنسبة للأطفال الأصغر سنًا ، غالبًا ما تتناول المربكة موضوعًا بسيطًا (صورة حيوان او فاكهة او مجسم سيارة … مقطعة الى أجزاء يسهل تجميعها واعادة تركيبها) وبعد ذلك ، عندما يكبر الطفل ، يكون المجسم او الصورة أكثر تعقيدًا (منظر طبيعي ، مشهد من الحياة اليومية ، حلقة من حكاية ، قصة ، وما إلى ذلك). على المربي مراعاة؛ حسب سن الطفل وقدراته؛ عدد القطع وحجمها وسمكها وشكلها والسماح له بالتقدم خطوة بخطوة.

بالإضافة الى ما سبق تعد ألعاب المربكات والتضمين دعائم تربوية جيدة للعمل على تطوير واغناء لغة الطفل. فجواب الطفل على اسئلة مرتبطة بالمربكة وموضوعها من قبيل (” ما الذي تراه في مربكتك؟  ” ، ”  أين الشخصيات ؟” ، ”  ماذا تفعل شخصية ما ؟” ، ما لون ملابسها؟ما القيمة التي تروجها الصورة؟…) من شأنه تطوير رصيده اللغوي واساليبه التركيبية، كما ان دفع الطفل للتعبير لفظيا عن اجراءات وطريقة حل المربكة والتحدث عن الافعال والاستراتيجيات التي قام بها، والصعوبات التي واجهها، والمشاعر التي احس بها اثناء محاولته حل المربكة، يطور ويغني من جهة لغته ويبرز وينمي من جهة اخرى الإستراتيجيات الميتامعرفية الخفية التي يسلكها اثناء التعلم، مما يمكن المربي من التعرف على مدى فعاليتها ومساعدته على تطويرها او استبدالها والتخلي عنها اذا ما تبين عدم فعاليتها.

وبشكل عام، يساعد حل المربكات الأطفال على:

  • يتعلم الطفل مهارة التفكير قبل اتخاذ القرار المناسب و التصرف وفق ما يمليه هذا القرار؛ وينمي القدرات الأولية للتفكير المنطقي وحل المشكلات؛
  • يتعلم الطفل من انشطة حل المربكات كيفية ادارة مشاعره المختلفة إذ يطور بالخصوص طريقته الفعالة والمناسبة للتعامل مع مشاعر الإحباط. فقد يثور غضبا في بداية الأمر إذا عجز عن تجميع القطع وحل المربكة، لكنه وبعد مران وبتوجيه وتخطيط من المربي يتجاوز الاحباطات المؤقتة ويطور نوعا من النضج العاطفي ( الصبر / التحمل / الإصرار /الانشراح …)
  • ينمي حل المربكات القدرة على التركيز والانتباه للتفاصيل، ويطور دقة الملاحظة؛
  • يسمح هذا النوع من الأنشطة للطفل باشباع فضوله الفطري واستكشاف خصائص الأشياء والأشكال؛
  • تنمي العاب وانشطة حل المربكات مهارات الحركية الدقيقة لدى الطفل، حيث تعتبر تمرينا مناسبا لتقوية عضلات اليد وتمكن بعد مران من تطوير التآزر الحركي وتحسين التنسيق بين العينين وحركات اليد ( مهارات التنسيق الحركي البصري ). وتجدر الإشارة الى ان المهارات الحركية الدقيقة قاعدة أساسية لانبناء مهارات حياتية واكاديمية تعلمية فيما بعد؛
  • بالنسبة للطفل، تعتبر عملية بعثرة قطع واجزاء المربكة بمثابة وضعية مشكلة تستفزه وتتحداه، ومن شأن حلها بنجاح أن تساعد الطفل على بناء تقدير ايجابي لذاته. علاقة بهذه النقطة نشير الى أن الكثير من البحوث العلمية توصلت الى ان نجاح الاندماج المدرسي والمجتمعي للطفل رهين بتكوينه منذ طفولته المبكرة تقديرا وصورة ايجابية عن ذاته وامكاناته، والعكس صحيح؛
  • سيمكن حل المربكات في اطار عمل تعاوني (مجموعات) وفي اطار جلسة عائلية تضم الطفل و الآباء او الاخوة … من تمرير قيم وقواعد العيش المشترك ( التعاون/ التسامح / التقاسم …) وتعلم مهارات تفاعلية وتواصلية عدة شرط التخطيط والتدبير الجيدين لهذا النوع من النشاط.

بعد هذا الاستعراض لأهمية العاب المربكات نعرض على المربي الخلاصة التالية ( وهي بيت القصيد كما يقال) : من المهم و من الضروري ألا يبخس المربي حق وقيمة هذا النوع من الأنشطة ويعمل فقط اثناء تقديمها للطفل على استهداف جانب( رغم اهميته) الترفيه والمتعة وتجزية الوقت. يجب عليه ان يوظف هذه الانشطة المحببة جدا لدى الطفل في تطوير المهارات والقدرات السابقة وتمرير قيم ومواقف و اتجاهات ايجابية. بمعنى اخر على المربي ان يخطط ويدبر أحجيات تركيب الصور (البازل) مستهدفا تحفيز نمو الطفل وتطور قدراته المعرفية والحركية الدقيقة والتفاعلية التواصلية إلى جانب استهداف فوائدها النفسية الترفيهية.

اختيار وتدبير نشاط حل المربكة:

ترتبط صعوبة المربكة بعدد قطعها


يجب ان يحرص المربي على أن يتعامل الأطفال في البداية مع مربكات بسيطة قليلة القطع، ثم بعد مدة؛ وبالتدريج؛ يتم حل مربكات بعدد قطع اكثر فأكثر، مما يعزز تدريجيا لدى الطفل تقديره لذاته بعد كل نجاح في تجاوز التحديات الصغيرة.

ويجب على المربي عند اختيار المربكة الانتباه إلى العمر الموصى به ومستوى الصعوبة وعدد القطع، مع استحضار قدرات وخصائص الفئة المستهدفة ومراعاة اختلاف الأذواق والتفضيلات والإهتمامات.

في ورشة عمل يقودها المربي ، يتعلم الأطفال وصف المربكة وملاحظة خصائصها (عدد القطع والأشكال والألوان وما إلى ذلك) ومقارنتها (الإدراك الأولي العام ثم الأدراك التحليلي للأجزاء) ثم وضع وصياغة فرضيات الحل والتركيب (أي القطع تتلاءم معًا؟). يعرفهم بكفية ملاحظة المؤشرات و القرائن المكانية؛ والتي تساعد في التوصل للحل؛ على المربكة (إطار المربكة ، خلفيته المصورة ، إلخ) وعلى أجزائها أو قطعها (حافة مستقيمة ، زاوية ، شكل بسيط أو معقد ، حجم ، لون ، إلخ) و يساعدهم على صياغة حججهم وتبريراتهم الأولية بدلاً من الشروع على الفور في حل المربكة عن طريق التجربة والخطأ ، مما قد يؤدي الى الإحباط و الاستسلام إذا كانت مهمة الحل صعبة للغاية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق