تكنولوجياتتوجهات جديدةمواقع وشبكات

الانفجار العظيم: عصر النهايات والأحصنة الرابحة (12)

نهاية السوق

عبر تاريخ الإنسان تعاقبت ثلاث موجات حضارية، حضارة الاقتصاد الزراعي وحضارة الاقتصاد الصناعي وحضارة اقتصاد المعرفة، وكان لكل موجة حضارية تأثيراتها الخاصة على المؤسسات الاجتماعية الأساسية: الأسرة والمدرسة والسوق.على مستوى السوق، أنتجت موجة الاقتصاد الزراعي البازار والباعة المتجولين، وأنتجت موجة الاقتصاد الصناعي المؤسسات التجارية، ترى كيف سيكون شكل السوق مع اقتصاد المعرفة!؟

لاستشراف مستقبل السوق علينا أولا أن نحلل ونفهم التحولات العالمية الجارية حاليا في السوق.

واقع الأسواق والمؤسسات التجارية الآن عنوانه الأزمة.. وليست ككل الأزمات العابرة في سياق الدورة الاقتصادية: الانتعاش ثم الذروة ثم الركود ثم الكساد ثم الانتعاش من جديد وهكذا دواليك. الأزمة الحالية عنوانها خارج الدورة الاقتصادية! إنه الإنفجار العظيم.. تفجير رأسمالي عالمي متوحش للأسواق من الداخل.

وحوش رأسمالية مُعَوْلَمَة على شاكلة أمازون تخرج، كما يخرج الحي من الميت، من جثت الأسواق والمؤسسات التجارية المنهكة بالأزمة العالمية، ومؤشرات هذا الخروج كثيرة منها مثلا معدلات نمو الأسواق والمنصات الإلكترونية العالمية وشبكات التوزيع الضخم وهو نمو مُرعب يتجاوز في بعض الدول 500٪؜، في مقابل الموجة الكبيرة لإفلاس الشركات في نهاية 2020 وبداية 2021 حيث تقدر دراسة لعملاق التأمين أليانس أن عدد عمليات الإفلاس ستزداد مقارنة مع معدلات الإفلاس في 2019 بنسبة 57٪؜ في أمريكا، و45% في البرازيل، و43% في بريطانيا، و42% في هولندا، و41% في إسبانيا، و40% في الصين.

تستطيع شركة رأسمالية عالمية واحدة بامتلاكها فقط لتطبيق على الهاتف أو منصة إلكترونية أن تفجر مهنة أو قطاع بأكمله من الداخل وتحوله إلى قطاع محتكر من طرفها على المدى البعيد، والأمثلة كثيرة:

– شركة أوبر فجرت قطاع النقل وأضرت بمصالح الشركات الوطنية العاملة في هذا القطاع وبسيارات الأجرة في الكثير من بلدان العالم.- شركة أمازون المعولمة وأدرعها التجارية المتخصصة بإمكاناتها ووسائلها التي تكاد تكون لا محدودة فجرت قطاع التجارة الإلكترونية من الداخل وتسببت في إفلاس الكثير من المنافسين الجدد والقدامى.. ومع التوسع المطرد لهذه الشركة من قطاع الكتب إلى قطاع الإلكترونيات إلى قطاع اللوجستيك إلى قطاع المواد الغذائية… أصبح السوق هو أمازون وأمازون هي السوق.

إن أول وأكبر الضحايا لهذا التحول العالمي نحو الرقمنة والتغيير في نماذج الأعمال هم الأسواق والمؤسسات التجارية الصغيرة والمتوسطة وإلى حد ما الكبيرة أيضاً، أما أسباب هذه النهاية فمتعددة.

السبب الرئيس هو قواعد اللعبة غير العادلة وعدم تكافؤ الفرص في الوصول إلى التقنية المتطورة ومصادر التمويل وشبكات التسويق مع المؤسسات التجارية الرأسمالية العالمية وعلى رأسها الوحوش التجارية العالمية (أمازون وغوغل وميكروسوفت وآبل…).

ومع هذا السبب وبعده تأتي أسباب أخرى بعضها ذاتي والبعض الآخر موضوعي:

  • غياب الوعي بالتحول الرقمي الجاري عالميا وبرهاناته.
  • غياب استراتيجية رقمية واضحة.
  • غياب الإمكانات المالية لإنجاز التحول الرقمي المطلوب.
  • إنجاز تحول رقمي فاشل لأسباب ثقافية غالبا.
  • الاستمرار في الاشتغال بنماذج الأعمال التقليدية والعجز عن التحول إلى نماذج أعمال جديدة ومبتكرة.
  • غياب سياسات ورؤية ومشاريع واضحة وفعالة للدولة لحماية المؤسسات التجارية الوطنية من تغوّل المؤسسات التجارية العالمية.

من الواضح أن الأسواق والمؤسسات التجارية الصغيرة والمتوسطة والتي تشتغل بنماذج أعمال تقليدية في طريقها نحو محطتها النهائية ككل نهايات الانفجار العظيم! وهي اليوم وغذا بين نارين: نار شبكات التوزيع الضخم العامة والمتخصصة التي تلتهم الأخضر واليابس في العالم الواقعي (وول مارت، كارفور، تيسكو، كروجر…)، ونار الشركات والأسواق والمنصات الإلكترونية العالمية التي تلتهم الأخضر واليابس في العالم الافتراضي (أمازون، غوغل، ميكروسوفت، آبل…). إنه السوق بمفهومه الشمولي للافتراس وبقواعده المتوحشة للّعب: يضع المهيمن القواعد ويأخذ كل شيء إذا فاز.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق