تربوياتتعليم وتعلمتوجهات جديدة

الانفجار العظيم: عصر النهايات والأحصنة الرابحة (5)

نهاية البيداغوجيا

المفهوم أولا.. البيداغوجيا هي فن وعلم هندسة التربية والتعليم، أو هي مجموع الطرق والممارسات الضرورية لتوصيل المعارف والمهارات والقيم. هذه هي البيداغوجيا، فما قيمتها؟

إذا كانت المدرسة هي أسوأ اختراع في تاريخ البشرية، فإن البيداغوجيا هي أكبر كذبة في تاريخ التربية والتعليم، وسباق البيداغوجيات ما هو إلا سباق أغبياء يتنافسون حول أفضل الطرق والتقنيات لتحنيط المعرفة الحيّة المكتسبة من التجربة الحيّة أو المصاحبة الفعّالة أو التعلم الذاتي، وعندما ندخل في سباق للأغبياء فإننا نبقى أغبياء حتى عندما نفوز بالسباق.. هذه هي مشكلة البيداغوجيا الأساسية أما باقي مشاكلها فمسائل ثانوية.

هي بيداغوجيات لا بيداغوجية واحدة؛ مزيج مريج من البيداغوجيات المتصارعة على المشروعية والريادة؛ بعضها يؤدي وظائف إيديولوجية لحساب الدولة، وبعضها يعكس طموحات وانتظارات الأسر، والبعض الآخر يحاول أن يعبر عن حاجات الأطفال والتلاميذ. في القائمة نقرأ مثلا: بيداغوجيا المحتوى، وبيداغوجيا الأهداف، وبيداغوجيا الكفايات، والتعلم النشط، والتربية الإيجابية، والتربية الأصيلة، والتعليم المنزلي…

هذا حظ التعريف الأكاديمي للبيداغوجيات ولرهاناتها النظرية والتطبيقية، لكن مفهوم البيداغوجيا ونطاق استخدامها الفعلي أوسع من ذلك بكثير، فأخطر البيداغوجيات هي التي لا تصرح بهويتها وتشتغل بشكل خفي وواقعي بعيدا عن مهنة التحنيط بالكفايات.

توجد أربع بيداغوجيات غير أكاديمية على الأقل:- بيداغوجيا الدولة التي تختفي وراء البيداغوجيات الأكاديمية لمضاعفة مفعول العبودية مادام الإخفاء هو أحد مبادئ الفعالية، وتستخدم أيضا تكتيك الإصلاح والتجديد البيداغوجي المستمر لأن الحاجة إلى الإخفاء المستمر يفرض التجديد المستمر.. ذكاء ماكر.

– البيداغوجيا الشعبوية المنشغلة بالبحث عن طرق وممارسات تحقيق تربية موحدة في إطار مبدأ تكافؤ الفرص والهوية الوطنية أو القومية.. مثالية حالمة.

– بيداغوجيا الأسر التي عرفت نموا وتوسعا مطرداً بتنامي وعي الأسر ومطالباتها بتربية اجتماعية أو إيديولوجية ملائمة لهويتها وقيمها وخصوصياتها وتطلعاتها.. وعي شقي بلغ مداه مع التعليم المنزلي الذي يجهل أو يتجاهل أن الطفل لا يحتاج إلى التعلم من الراشد فقط وإنما إلى التعلم مع أمثاله من الأطفال ومنهم أيضاً.

– بيداغوجيا الرأسمالية الوطنية المستثمرة في التعليم الخصوصي والمنشغلة بتعظيم أرباحها من خلال الانخراط في نماذج بيداغوجية دولية (الباكالوريا الدولية مثلا) يتم استثمارها لأهداف تسويقية، أو اعتماد بيداغوجيا ترويض الأسود المُروّضة القائمة على لعبة انتقاء أفضل التلاميذ وأفضل الأساتذة.. تبحث هذه البيداغوجيا في بداية كل سنة عن أسود مُرَوّضة وتستقطبها، وفي نهاية السنة تُعلن أنها رَوَّضت كل الأسود المُرَوَّضة بنسبة 100%، وبذلك تخلق فرصتها لكي تتألّق.. دهاء سوقي.

الحصيلة: انتهت البيداغوجيات بمفهومها الأكاديمي المحنط الذي يقتل المعرفة التجريبية الحية بتحويلها إلى معرفة ميّتة ومُميتة باستخدام تقنيات التحنيط بالمحتوى أو التحنيط بالأهداف أو التحنيط بالكفايات أو التحنيط بتقنيات التعلم النشط، وقريبا ستنتهي أيضا البيداغوجيات بمفهومها الواقعي التي تناضل من أجل مصالح سياسية (بيداغوجية الدولة) أو شعارات شعبوية (بيداغوجية التربية الموحدة في إطار مبدأ تكافؤ الفرص والهوية الوطنية) أو مطالبات اجتماعية وإيديولوجية (بيداغوجية الأسر) أو مصالح الرأسمالية الوطنية (بيداغوجيات المدارس الخصوصية).

كل البيداغوجيات، سواء الأكاديمية أو الواقعية، تفشل:

– البيداغوجيات الأكاديمية تفشل لأنها مجرد تنظير مثالي مقطوع عن الواقع أو نمذجة تعمل على تحويل الواقع الحي إلى مفاهيم ونماذج وإجراءات جامدة.

– بيداغوجيا الدولة تفشل لأن حوافزها سياسية بالأساس، ولأن المعلمين الذين يسهرون على تنزيلها مجرد طبقة كادحة تشتغل بالحد الأدنى من المؤهلات مادامت المنظومة الرسمية لا تحتاج إلى تأهيل عال جداً، ولأنها تُعيد تكرار نفس المعلومات والإجراءات بشكل أبدي ومُمِل.

– البيداغوجيا الشعبوية تفشل لأنها تكتفي بدغدغة المشاعر الإنسانية والوطنية والقومية للجماهير دون تناول علمي وعملي لإشكاليات التعليم والتعلم الحقيقية.

– بيداغوجيا الأسر تفشل لأن حوافزها منغلقة على ما هو اجتماعي وإيديولوجي، ولأن أولوياتها متمركزة حول التميز الاجتماعي أو التربية الأخلاقية بدل شروط الدخول في المستقبل، وحتى عندما تنشغل بالمستقبل تتصرف بشكل أناني وتنشغل بمستقبل أبنائها فقط.

– بيداغوجيا الرأسمالية الوطنية تفشل لأن حوافزها مالية فقط ولا تستثمر في البيداغوجيات إلا بحوافز ولأهداف تسويقية.

إن النموذج البيداغوجي الوحيد الذي سينجح هو نموذج الرأسمالية العالمية، لا لأنه الأفضل فقط ولكن لأنه الأكثر ذكاءً ومكراً أيضاً. صحيح أن الرأسمالية العالمية متوحشة ومفترسة، لكنها هادئة وصبورة ومراقبة بحذر إلى أن تحين الفرصة فتنقض لكسب كل شيء، وهي تنجح لأن نماذجها في التعليم والتعلم ذكية وحوافزها لشركائها قوية واستراتيجياتها في التحكم شمولية.

ستفنى كل البيداغوجيات الأكاديمية والواقعية ولن يبق في المستقبل سوى بيداغوجية الرأسمالية العالمية المتوحشة المفترسة التي تقوم بهندسة التعلمات وتوصيل المعارف والمهارات والقيم بطرق وتقنيات سريعة وفعّالة ورخيصة تتمحور حول المنصات العالمية للتعليم والتعلم عن بعد.

من سيتمسك غذا ببيداغوجيات مَرِحة ومتفائلة تُبهر ولا تُؤثر، وبالمنتوج التعليمي الوطني الشعبي الاشتراكي الديمقراطي القومي الاسلامي الخُذ لك نَفَس، وبالهوية والأصالة والقيم التي تربطك بماضيك وتقطعك عن مستقبلك، وبتعليم نظامي حكومي أو خصوصي يستهلك من العمر والمال أغلبه، عندما ستعرض الرأسمالية العالمية المسلحة بتكنولوجيات القطيعة من كل جهة وشبكات التمويل الضخم من المنبع وشبكات التسويق الفعّال في المصب على منصاتها التعليمية السحرية فرصة امتلاك أفضل المعارف والمهارات والكفايات والخبرات والشهادات والعلاقات على المستوى الكوني بأرخص الأسعار وفي وقت قصير ومن مكانك.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق