توجهات جديدة

الانفجار العظيم: عصر النهايات والأحصنة الرابحة (10)

نهاية الدولة الاجتماعية

الدولة هي جانوس؛ ذلك البطل الأسطوري في الميثولوجيا الرومانية ذو الوجهين: وجه الخير ووجه الشر؛ وجه اجتماعي خدمي ووجه اقتصادي ومالي احتكاري. فالدولة من جهة هي الضامن لمصالح الفئات الهشّة والمهمشة ثقافيا واقتصاديا بحكم مسؤوليتها الاجتماعية من خلال قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والتوظيف، ومن جهة أخرى هي الضامن لمصالح الفئات المهيمنة اقتصاديا وماليا بحكم أن هذه الفئات هي التي تحتكر السلطة بكل أنواعها.

في كل الدول تتأرجح السياسات بين هذين الوجهين ويتدافع وجه الدولة الجميل مع وجهها البشع باستمرار. لكن السياسات الليبرالية الجديدة للرأسمالية العالمية المتوحشة ضاقت ذرعا بوجه الدولة الجميل وتريد تدمير الدولة الاجتماعية بالكامل.

إن السياسات الليبرالية الجديدة، التي اعتقد الكثير من المفكرين والمحللين أن هدفها هو تدمير الدولة، تستهدف في الواقع تدمير الدولة الاجتماعية فقط، أما الدولة الاحتكارية فهي تساهم في المزيد من انتصارات الليبرالية الجديدة. والتكلفة الاجتماعية لهذه “الانتصارات” باهظة جدا؛ ففي روسيا مثلا، تسبب تدمير الدولة الاجتماعية في انخفاض معدل أمل الحياة عند الولادة بعشر سنوات خلال عشر سنوات.

إن توجه الدولة نحو الانسحاب من الخدمات الاجتماعية هو توجه عالمي مرتبط بالسياسات الليبرالية الجديدة وحاجات الليبرالية الجديدة والمتجددة، ويبدو أن مفهوم “الدولة الاجتماعية” التي توظف وتمنح تقاعداً وحماية صحية وتعليماً مجانياً وتعويضات عن البطالة وعن الأبناء ودعماً للمواد الأساسية وغيرها من الخدمات الاجتماعية في طريقه إلى الاختفاء، وها نحن أولاء نشهد كل يوم، وفي كل بلاد الدنيا تقريبا، قرارات جديدة تؤشر على هذا التوجه نحو إعادة اختراع للدولة ولوظائفها بشكل يلغي وجهها الجميل ويبقي فقط على وجهها البشع.

إن الخدمة العامة المجانية (المدرسة العمومية والصحة العمومية والأمن العمومي…) في شكلها الحالي هي اختراع للقرن التاسع عشر، ويبدو أن حاجات الليبرالية الجديدة في عصر الرأسمالية المعرفية والثورة الصناعية الرابعة تتعارض مع هذا الاختراع، فحاجاتها اليوم وغذا تختلف عن حاجاتها في عصور الثورات الصناعية الثلاث السابقة. إن هذه الثورة الصناعية الرابعة تحتاج بنظر روادها إلى سياسات عمومية جديدة تُحَوِّل الخدمات الاجتماعية إلى فرص استثمارية (المدرسة الخصوصية والمصحة الخصوصية والأمن الخاص والسجون الخاصة…)، لكن المشكلة هي أن الفاتورة الاجتماعية لهذه السياسات ستكون باهظة التكلفة.

ويبدو أن هذا التغيير لا يمكن تجنبه وأن مقاومته لن تنجح سوى في تأخير وصوله ولن تنجح في منعه. وهنا تطرح الكثير من الأسئلة: هل هذا التخلي عن الدولة الاجتماعية هو تعبير عن عجز في التفكير السياسي للدولة وفي قدرتها على ابتكار حلول حقيقية، أم تعبير عن ذكاء ماكر في التفكير السياسي الاستراتيجي لمن هم فوق الدولة؟ ومن جهتنا كمفعول بهم لهذه السياسات، هل نساير هذا التوجه الليبرالي العالمي ونركب موجاته (مثلا بتغيير استراتيجيات تربية الأبناء وأولويات الاستثمار في مستقبلهم، والتحول من ثقافة الوظيفة إلى ثقافة ريادة الأعمال…)؟ وهل ينفع ركوب قطار الآخرين بدون استراتيجية؟ وهل تنفع استراتيجية في لعبة أكبر منا ومواجهة نفتقد فيها إلى أدوات المواجهة الفعّالة؟ أم ترانا بحاجة إلى الاستمرار في التَحَصُّن في آخر ما تبقى لنا من قلاع المقاومة: النقد وصناعة الوعي؟ وهل يغير النقد النظري المتأمل ما أفسده طوفان النقد العملي الزاحف!؟ وهل تصمد صناعة الوعي الهاوية أمام صناعة اللاوعي المحترفة!؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق