تعليم وتعلمتوجهات جديدة

الانفجار العظيم: عصر النهايات والأحصنة الرابحة (9)

نهاية الجامعة

الجامعات اليوم في وضعية لا تحسد عليها أيضاً بالنظر للتحديات الجديدة التي تواجهها والتي تضع لأول مرة قدرتها على الاستمرار في أداء رسالتها موضع شك وتساؤل بسبب تجاوز بل احتواء طموحات العولمة الاقتصادية والتكنولوجية ذات النزعة السوقية طموحات الجامعات ذات النزعة العلمية والفكرية والإنسانية.ماذا تبقى من رسالة الجامعات؟

– التدريس؟ فاشل في أغلبه، وأفضل الكورسات والمعارف والخبرات والشهادات أصبحت تقدم من منصات تعليمية عالمية!

– البحث العلمي؟ غير مجدي، وأفضل الأفكار والابتكارات أصبحت تنتج في مختبرات الشركات الرأسمالية العالمية!

– خدمة المجتمع؟ مبادرات محتشمة، وأفضل مبادرات خدمة المجتمع أصبحت تقدمها الشركات الربحية في إطار مسؤوليتها الاجتماعية!

– الشهادة؟ وهي الورقة الرابحة الوحيدة المتبقية للجامعات والتي يمكن أن تنافس بها المنصات التعليمية العالمية وقع الرئيس الامريكي ترامب على شهادة وفاتها في يونيو 2020 في أمره التنفيذي للحكومة الفدرالية بالتوظيف بناء على القدرات والمهارات والجدارات بدلا عن الشهادات.

إن أفضل أساليب التعليم والتدريس، وأعمق البحوث العلمية والأفكار الخلاقة المبدعة، وأحسن مبادرات خدمة المجتمع أصبحت تأتي من خارج الجامعات! هذه هي المفارقات العجيبة التي تعيشها الجامعات اليوم والتي تهدد مستقبلها.عندما بدأت الجامعات تشعر بالتهديد الوجودي لجأت إلى حل الانفتاح على محيطها الاقتصادي.. ضَعُف الطالب والمطلوب: جامعات في وضعية تهديد وجودي تنفتح على محيط اقتصادي في وضعية تهديد وجودي أيضا! ما قيمة جامعات تعد لمهن ستختفي في المستقبل؟ قريبا ستقضي مثلا الطباعة ثلاثية الأبعاد على مهنة أخصائي تقويم الأسنان! إن الانفتاح المطلوب لتجنب هذا المصير هو الانفتاح على المستقبل وعلى ما تفعله وتخطط له الرأسمالية العالمية لا على محيط يعيش نفس التهديد.

إن جهود الجامعات عندنا، خاصة الحكومية، مكبلة بضعف هامش التحرك ومرهقة بالإصلاحات الحكومية المتتالية التي تفتقد إلى الروح وتريد فقط تحويل الجامعة إلى مجرد مؤسسة معرفية في خدمة التنمية الاقتصادية في أحسن الحالات.بعض الجامعات حاولت أن تكون أذكى فدخلت في عملية البحث عن هوية عصرية ورسالة جديدة من خلال إعادة تعريف القديم: التميز العلمي، البحوث العلمية المتقدمة، البحوث التنموية، تحسين التصنيف الدولي للجامعات، تحسين التمركز الدولي لمراكز البحوث، أقطاب الكفاءات… محاولات يائسة لإثبات مواكبة العصر والإنتماء إليه، لأنه من الغباء أن تقبل بالدخول في لعبة أكبر منك وشروط المنافسة فيها غير عادلة وغير متوازنة، وعندما ترفض اللعبة وتدخل في جزئياتها فأنت أيضا تلعب اللعبة!

ليس التحدي الحقيقي الذي يهدد قدرة الجامعات على الاستمرار في أداء رسالتها هو تحسين تمركزها في ذيل تصنيف دولي مثلا، وإنما هو تواجدها في مجتمع المعرفة واقتصاد المعرفة وتكنولوجيات القطيعة وسوق عالمية أصبحت فيها المعرفة تتحرك بحوافز سياسية واقتصادية لا بالحوافز الثقافية، وأصبحت فيها حروب القرن الواحد والعشرين هي حروب اكتساب المعرفة والتحكم في المعرفة. وفي هذه السوق العالمية ذات التنافسية الشرسة والقواعد الجديدة للعب تفتقد الجامعات في أغلبها للأدوات الفعالة للمواجهة والدخول في التنافس.

عندما نقول أن الجامعة اليوم أصبحت تتواجد في مجتمع المعرفة واقتصاد المعرفة وحروب المعرفة فمعنى هذا أن المعارف المعترف بها والتي تفتح آفاق المستقبل هي المعارف المفيدة فقط؛ اليوم وغذا سيكون الحقيقي هو المفيد لا الصحيح! وهذا الوضع ليس جديداً ولا هو وليد اليوم، فالجامعات كانت دائما تتواجد في خطوط تماس المصالح الاقتصادية والصناعية ولم تكن أبدا طيلة تاريخها تعيش متعالية عن واقعها في سماء الأفكار والنظريات الخالصة فقط، لكن وضع الجامعات اليوم وغذا مختلف كليا لأن السياق العالمي في العقود الأخيرة دفع في اتجاه التركيز على المعرفة العملية المفيدة فقط والتي تستجيب لحاجات الرأسمالية العالمية في المزيد من التربح والتحكم، والجامعات في هذه المواجهة تلعب خارج أراضيها وتفتقد إلى أدوات المنافسة الفعّالة مع الشركات الرأسمالية العالمية ومراكز بحوثها (الشركات الرأسمالية العالمية تنفق على البحث العلمي أكثر مما تنفق الكثير من الدول) وجامعاتها الخاصة ومنصاتها التعليمية.

ولعصر المعرفة (مجتمع المعرفة واقتصاد المعرفة وحروب المعرفة) الذي يمثل بيئة الجامعات اليوم وغذا وجه آخر في الاعتبار يمثل أيضا تحدياً وجوديا للجامعات هو الطلب الجماهيري المتزايد على المعرفة وعلى التأهيل العالي خاصة من طرف الشباب القادم من الطبقات المتوسطة، وفي هذا التحدي تفشل الجامعات أيضاً.شباب الألفية الطموح الذي يحلم بالحصول على فرص عمل متميزة عبر بوابة تعليم جامعي متميز، يحصل في النهاية على تكوين أكاديمي نظري مقطوع ومنقطع عن الواقع وعن حاجات السوق ويجد نفسه في النهاية في الغالب الأعم مجرد رقم جديد ينضاف إلى جيش العاطلين المعطلين من حملة الشواهد العليا.

إن الاستجابة الفعّالة لهذا الطلب المستجد في عصر عولمة المعرفة وعولمة سوق الكفاءات والمهن يحتاج إلى نوعية خاصة من الأساتذة الجامعيين، وهم فئة نادرة كالكبريت الأحمر الذي يعز طلبه، فئة لديها القاعدة العلمية الصلبة في تخصصها، والخبرة العملية الواسعة في نفس التخصص، والقدرة على الجمع والتجسير بين العلم والخبرة، والقاعدة الإبستمولوجية الصلبة في أصول التخصص، وفنون نقل العلم والخبرة، والثقافة الموسوعية الداعمة للتخصص، والقدرة على استخدام تكنولوجيات القطيعة، واليقظة تجاه تحولات المعرفة والتقنية التي أصبحت الحدود الفاصلة بينهما هلامية، والتحسين المستمر لكل ما سبق. لكن من أين نأتي بكل ذلك أو بعضه؟ من أين تأتي مثلا الخبرة لمن دخل الجامعة طالبا واستمر فيها مدرسا وباحثا دون أن يخبر في حياته ولو لمرة واحدة بالخطأ السوق وحاجاته ويجرب في حياته مدارس الحياة المتعددة؟ وهل يستطيع ابن المنظومة أن يُعَلِّم شيئا مفيداً للحياة وللسوق وللمستقبل غير إعادة إنتاج المنظومة!؟كم من مدرس جامعي يستطيع الجمع بنجاح بين التدريس والبحث العلمي؟ كم من مدرس جامعي يستطيع اختراق الحدود التقليدية الفاصلة بين العلم والخبرة وينجح في الجمع بينهما بصفتي العالم والخبير في تخصصه في نفس الوقت؟ كم من مدرس جامعي اليوم يتقن استخدام تكنولوجيات القطيعة؟ كم من مدرس جامعي يملك التكوين الموسوعي في العلوم والفنون المجاورة لتخصصه على الأقل لكي يستطيع أن يقدم لطلابه نظرة شمولية عن المشكلات التي يدرسها لهم؟ وهل كل هذا متاح للجميع في إطار مؤسسي أم متاح فقط بشكل فردي لحالات خاصة من أصحاب الإرادات الاستثنائية والمشاريع العلمية والعملية الشخصية المحسوبين على رؤوس الأصابع والذين غالبا ما ينتهي بهم المطاف إلى الهجرة إلى أرض الله الواسعة بعيدا عن ضيق بيئة الجامعة وضيق فرصها، ومتاح للذين يفهمون اللعبة الجديدة للمعرفة في بعدها العالمي الرأسمالي فيحافظون على حد أدنى من الانتماء لمؤسستهم الجامعية البئيسة بنظرهم وينخرطون بجدية في شبكات دولية للتعليم والتدريب والبحث العلمي التي تفتح الفرص والآفاق حقا وحقيقة؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق