تربوياتتعليم وتعلمتوجهات جديدةحوار وقضيةرأي وقضيةمهارات حياتية

التحولات العالمية ومستقبل المدرسة

المدرسة في شكلها الحالي تعاني أصلا ومنذ اختراعها في القرن التاسع عشر من العديد من الأعطاب والمشاكل البنيوية، والآن مع الأزمة العالمية الحالية والتحولات الكبرى المصاحبة لها زاد طينها بلة وأصبحت تواجه مشاكل جديدة ومخاطر غير مسبوقة تلزمها بتغيير العديد من مفاهيمها ومبادئها وقيمها ونماذجها وممارساتها التقليدية.

بل سنوات كتبنا وكررنا ذلك أكثر من مرة وبأكثر من صيغة أن “المدرسة في شكلها الحالي هي أسوأ اختراع في تاريخ البشرية”. لم يدرك الكثيرون معنى ذلك، بل عارض البعض ذلك.. لم يدرك الكثيرون أن المدرسة في شكلها الحالي لا تخدم مستقبل أبناءنا وإنما تخدم فقط مصالح أولئك الذين اخترعوها، وأنه من الغباء أن نفكر في مستقبل أبنائنا في القرن 21 بحلول من القرن 19.

أحيانا يحتاج الوعي ليدرك حقيقة ما إلى اللحظة المناسبة للتعلم، وأنسب لحظة لشرح مبدأ أرخميدس وقوانين الديناميكا الحرارية هي عندما تبدأ السفينة في الغرق. صحيح أنه بإمكاننا دائما أن نتعلم، وأوان التعلم لا يفوت أبداً، لكن التعلم أحيانا يكون سابقا لأوانه. فإذا أدركت أن وقت التعلم لم يحن بعد، فلا تضيع وقتك ووقت الآخرين في دروس سابقة لأوانها. كل شيء بأجل.. خاصة التعلم.

لكن أعتقد أن من التعلم الذي حان أوانه الاقتناع بأن التعليم النظامي بضاعة فاسدة، وأن النوعية الوحيدة الجيدة هو التعلم المهرَّب في مدارس الحياة المتعددة والمصاحبة الفعّالة والتعلم الذاتي.

المدرسة النظامية بضاعة فاسدة لأنها المكان الذي يتم فيه تجميع الأطفال يومياً، ويكون الحضور إجبارياً، ليتم إخضاعهم لمناهج مُوَحّدة، وبرامج مُوَحّدة، وكتاب مدرسي مُوَحّد، ونموذج صف مدرسي مُوَحَّد، وتنظيم فضاء مُوَحّد، وإيقاعات زمنية مُوَحّدة، ونظام داخلي مُوَحّد، وميثاق قسم مُوَحّد، ونظام تقييم مُوَحّد، واختبارات مُوَحّدة. وفي هذا المكان نُجْبِر الأطفال على تعلم كيفية التعامل مع قضايا مألوفة ومجردة ومجزأة وأحادية البعد وبسيطة لمواجهة قضايا غير مألوفة ومرتبطة بسياق وشمولية ومتعددة الأبعاد ومركبة.. وهكذا تسرق المدرسة من عمرهم ثلثه لتعلمهم كيف يتعاملون مع قضايا لن يصادفونها في الحياة إلا نادراً. إنها فعلا أسوأ اختراع في تاريخ البشرية، اختُرعت لترويض الجسد على العبودية، وسفراء النوايا الحسنة يحاولون تطويرها لتُعد للحياة والحرية.. متفائلون.

واليوم يبدو أن أسوأ وباء في طريقه لتغيير أسوأ اختراع.. لا يفلّ الحديد إلا الحديد، ومن المتوقع أن تعرف المدرسة في هذا السياق عشرة تحولات جوهرية تمس في العمق النموذج التقليدي للمدرسة النظامية وستتم هذه التحولات في فترة وجيزة، وهذه التحولات هي:

1- إعادة تعريف المثلث البيداغوجي: المعلم والمتعلم والمادة التعليمية، الذي سيأخذ شكلا جديداً ومحتوى مختلفا، ومن المتوقع أن يصبح للحياة والأسرة والتقنية مكانا أوسع ضمن هذا المثلث البيداغوجي.. وقد يأخذ شكلا هندسيا آخر غير شكل المثلث!

2- تغير المفهوم والدور التقليدي للمنهاج التعليمي.

3- تغير المفهوم التقليدي للغرف الصفية وللتواصل البيداغوجي داخل هذه الغرف من حيث أركانه وشروط فعّاليته.

4- إعادة تعريف دور المعلم.

5- إعادة تعريف دور المتعلم.

6- اتساع دور التعلم الذاتي وزيادة الرهان عليه بشكل متزايد على حساب التعليم النظامي.

7- إعادة تعريف شكل ودور الإدارة والقيادة المدرسية.

8- إعادة تعريف الدور التعليمي للأسرة، وسيكون التعليم المنزلي أحد موجات تعليم المستقبل.

9- سيكتسب مدخل التعلم القائم على مدارس الحياة المتعددة مواقع متقدمة على حساب مدخل التعلم القائم على المناهج التعليمية النظامية.

10- إعادة تعريف منظومة القيم التي تتبناها وتنشرها المدرسة والمنظومة التعليمية، وسيتم هذا التحول عبر مرحلة انتقالية حرجة من الصراع الحاد بين قيم المدرسة التقليدية والقيم الجديدة التي تصنعها موجات التحولات العالمية الكبرى.

إن ما تمنحه المدرسة النظامية على علاته مهم لمن يتقن استثماره بذكاء، لكنه خطير على من لا يفهم اللعبة. وعندما يفشل الوالدان في رؤية ما هو أهم من المدرسة وأوسع آفاقا منها، ويعجزان عن توفير تعليم تكميلي للتعليم المدرسي النظامي، وبدائل لمستقبل أبنائهم في حال فشل خيار الرهان على المدرسة، يصبح في هذه الحالة النجاح المدرسي وحده، أو ضعف التحصيل الدراسي لدى الأبناء مشكلة كبيرة بل كارثة تحل بالأسرة.

من المؤسف جداً أن يرتاد الأطفال المدرسة النظامية فقط، وسعوا الأفق حتى لا يضيق المستقبل بأبنائكم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق